عمر فروخ

538

تاريخ الأدب العربي

كالخطب والتقليدات « 1 » وكتب الفتوح التي تقرأ في ملأ من عوام الناس ، فان الكلام إذا طال في مثل ذلك أثّر عندهم وأفهمهم . ولو اقتصر منه على الإيجاز والإشارة لم يقع لأكثرهم حتى يقال في ذكر الحرب : « التقى الجمعان وتطاعن الفريقان ، واشتد القتال وحمي النضال » ، وما جرى هذا المجرى . والمذهب عندي ما أذكره : وهو أن فهم العامّة ليس شرطا معتبرا في اختيار الكلام ، لأنه لو كان شرطا لوجب - على قياسه - أن يستعمل في الكلام الألفاظ العاميّة المبتذلة عندهم ليكون أقرب إلى فهمهم . . . وهذا شيء مدفوع . وأما الذي يجب توخّيه واعتماده فهو أن يسلك المذهب القويم في تركيب الألفاظ على المعاني ، بحيث لا تزيد ( تلك ) على هذه مع الإيضاح والإبانة . وليس على مستعمل ذلك أن يفهم العامّة كلامه : عليّ نحت القوافي من معادنها ؛ * وما عليّ إذا لم تفهم البقر « 2 » ! - الفصاحة : إن الفصاحة هي الظهور والبيان في أصل الوضع اللّغوي . يقال : أفصح الصبح إذا ظهر ؛ ثم إنهم يقفون عند ذلك ولا يكشفون السرّ فيه . وبهذا القول لا تتبيّن حقيقة الفصاحة لأنه يعترض عليه بوجوه من الاعتراضات : أحدها أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهرا بيّنا لم يكن فصيحا ، ثم إذا ظهر وتبيّن صار فصيحا . والوجه الآخر أنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البيّن ، فقد صار ذلك بالنسب والإضافات إلى الأشخاص ، فإنّ اللفظ قد يكون ظاهرا لزيد ولا يكون ظاهرا لعمرو ، فهو إذن فصيح عند هذا وغير فصيح عند هذا . وليس ( الأمر ) كذلك ، بل الفصيح هو الفصيح عند الجميع لا خلاف فيه بحال من الأحوال . . . الوجه الآخر أنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع وهو مع ذلك ظاهر بيّن ينبغي أن يكون فصيحا ، وليس كذلك لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ لا وصف قبح . - البلاغة : وأما البلاغة فان أصلها في وضع اللغة من الوصول والانتهاء . يقال : بلغت المكان إذا انتهيت اليه . ومبلغ الشيء منتهاه . وسمّي الكلام بليغا من ذلك ، أي أنه

--> ( 1 ) التقليدات : الكتب ( الرسائل ) التي يوجهها الخليفة بتولية الولاء والقواد والقضاة وغيرهم . ( 2 ) البيت للبحتري .